الشنقيطي

424

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ الآية - دليل قاطع على أنّ حقوق اللّه الخالصة له من جميع أنواع العبادة لا يجوز أن يصرف شيء منها لأحد ولو ملكا مقرّبا ، أو نبيا مرسلا . ومما يوضح ذلك قوله تعالى : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ( 79 ) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 80 ) [ آل عمران : 79 - 80 ] ، وقوله تعالى مخاطبا لسيّد الحق صلوات اللّه وسلامه عليه : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 64 ) [ آل عمران : 64 ] . قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا [ 30 ] . قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن كثير « أو لم ير » بواو بعد الهمزة : وقرأه ابن كثير « ألم ير الّذين كفروا » بدون واو ، وكذلك هو في مصحف مكّة . والاستفهام لتوبيخ الكفّار وتقريعهم ، حيث يشاهدون غرائب صنع اللّه وعجائبه ، ومع هذا يعبدون من دونه ما لا ينفع من عبده ، ولا يضرّ من عصاه ، ولا يقدر على شيء . وقول كانَتا التثنية باعتبار النوعين الّلذين هما نوع السماء ، ونوع الأرض ؛ كقوله تعالى : * إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [ فاطر : 41 ] ونظيره قول عمر بن شبيم : ألم يحزنك أن جبال قيس * وتغلب قد تباينتا انقطاعا والرتق مصدر رتقه رتقا : إذا سدّه ؛ ومنه الرتقاء . وهي التي انسد فرجها ، ولكن المصدر وصف به هنا ولذا أفرده ولم يقل كانتا رتقين . والفتق : الفصل بين الشيئين المتّصلين ؛ فهو ضد الرتق . ومنه قول الشاعر : يهون عليهم إذا يغضبو * ن سخط العداة وإرغامها ورتق الفتوق وفتق الرتو * ق ونقض الأمور وإبرامها واعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالرتق والفتق في هذه الآية على خمسة أقوال ، بعضها في غاية السقوط ، وواحد منها تدلّ له قرائن من القرآن العظيم : الأول - أن معنى رَتْقاً فَفَتَقْناهُما أي كانت السماوات والأرض متلاصقة بعضها مع بعض ، ففتقها اللّه وفصل بين السماوات والأرض ، فرفع السماء إلى مكانها ، وأقرّ الأرض في مكانها ، وفصل بينهما بالهواء الذي بينهما كما ترى . القول الثاني - أنّ السماوات السبع كانت رتقا ؛ أي متلاصقة بعضها ببعض ، ففتقها اللّه